محمد غازي عرابي
886
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 139 إلى 148 ] وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( 141 ) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( 143 ) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144 ) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ( 145 ) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ( 146 ) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 148 ) [ الصافات : 139 ، 148 ] يونس النور الجزئي وقد انبث من النور الكلي وحبس في سجن المادة ، وهو في الأصل جزء من اليم الأكبر ، أهبط من عالم النور المحض إلى أرض العيان كما أهبط أبوه آدم ، والفلك المشحون هو من طينة فلك نوح لأنه معمور بأزواج المعقولات من الصفات ، ويونس لما أبق ، أي هرب ، وركب الفلك بدا غريبا عن أهله ، ذلك لأن المعقول كما أسلفنا الكلام يطلب العقل والعاقل كما تطلب الصفة الموصوف ، فالفلك عامر بأهله ، وهو هو هذا العالم العياني بشقيه الظاهر والباطن ، وهو هوية النفس المادية الحاملة للروح والجسم معا والواصلة بينهما ، والغريب في هذا الفلك هو الموحد الذي ركب الفلك غريبا ، وعاش فيه غريبا ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم في أبي ذر ، ولهذا لاحظ أهل الفلك أن يونس ليس منهم ، وفي التفسير أن ملاحي السفينة قالوا هنا عبد أبق من سيده وتظهره القرعة ، وعلى هذا فالصفات المعقولة لا تقبل الموحد ، ولهذا عاش الموحد غريبا بين الناس وعن الناس ، ولهذا كان صلّى اللّه عليه وسلّم يتحنث في غار حراء في شبابه معتزلا الناس مفكرا في خلق السماوات والأرض وشعار الصوفية العزلة ، وشعورهم الاستيحاش من الخلق ، حتى أنهم يجعلون الوحشة والوحدة علامة العارف ، فليس بعارف من استأنس بالناس واسترسل إليهم ، ويبقى السالك في صحراء التأملات إلى أن تظلله نفحة الحق ، وتأتيه ليلة القدر ، فتكشف عن قدره ، وقدره التسبيح كما قال سبحانه : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، وقلنا الموحد موحد بالقوة منذ يكون جنينا في بطن أمه ، بل نطفة في صلب أبيه ، بل ذرا في عالم الذر ، فسبحان من خلق هذه الأرواح المباركة لتعرفه وتوحده . وقوله : لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يعني أن المهاجرين وحدهم هم الناجون ، ونجاتهم عهد على اللّه كتبه ، عنوانه الرحمة ، فهؤلاء هم المرحومون الذين إذا بلغوا أشدهم واستوى زرع عقلهم أتاهم اليقين والفتح المبين الذي أشير إليه بشجرة اليقطين ، فهذه شجرة مباركة رطبة ، كان النبي يؤثرها على غيرها في طعامه واسمها القرع ، وقيل إن وعلة كانت تأتي يونسا بعد أن نبذ في العراء خارجا من بطن الحوت ، حوت النفس ، سقيما معلولا ، فيشرب من لبنها ، والإشارة إلى أنوار الكشف التي تحتضن القلب الوليد ولادة جديدة ، فتسقيه لبن العلم اللدني قطرة قطرة ، ثم جرعة جرعة ، فيقوى من ثم يصير قادرا على استيعاب هذا العلم العظيم الذي هو جوهر العلوم الإنسانية الإلهية ودرها اليتيم .